"تعويذة" بقلم الكاتبة هناء بنشيبان

" لتبارككم شياطين الشعر و عفاريت السرد "؛ مذ سمعت هذه العبارة وأنا أرددها حتى ظننت أن مسا من الجنون قد ألم بي...
بفهم ساذج لشاب مأفون عييٍّ، بليد الذهن، خامل الفكر، راح خلدي يؤل تأويلات لهذه الكلمات التي أثرت في واجبي تأثير المخدر على المريض. 
دلفت إلى غرفتي ممتشقا رأسي نحو صفحة السماء كما يمتشق " سيرانو دي بيرجراك " السيف من غمده؛ فيعلنه في أديم أنداده و ألبابه، اعتصمت إلى مكان جعلت فيه نفسي مقابلة لذاتها في المرآة، واضعا من حولي شموعا كل من يراها يظن أنه ضريح الولي "سيدي أحمد ابركان" ، دون أن أنسى ترديد التعويذة الأدبية السحرية؛ كنت أحاول التضرع لآلهة الإلهام و الاستنجاد بها، و استحضار العفاريت؛ الجن و أبالسة الأدب حتى ألقى خلاصي من الجدث الذي يحن إلي حنين يعقوب ليوسفه؛ و حتى يجنبني كذلك تحمل مؤونة الثبور و الفشل الفكري الأدبي الذي سيندى له جبيني ان لم أرزق مولودا سرديا الليلة! 
نهضت كالمنهزم في الحرب أتحامل على نفسي المخذولة و الذاهبة آمالها أدراج الرياح كأعقاب لفافة تبغ رديئة الصنع كريهة الرائحة؛ انتبذت إلى سريري محتضنا ذاتي التي غدت تهذي ولا لأي سبيل تستطيع أن تهتدي، استسلمت لسنة الكرى علي أنعم بقسط من الراحة و السكون بيد أني استفقت في اللحظة ذاتها على لجب و ضوضاء اخترقت طبلة أذني كأنما هي رصاصة جندي إسرائيلي صوبت نحو قلب فلسطيني أعزل...قمت أبحث عن مصدر الصوت و ما وجدته إلا آت من المرآة، ترأرأت لي صورة فتاة تعلو محياها صفرة الليمون ساعة نضجه، فقالت بصوت حشرجي تحسبه انكسارا زجاجيا :
- لا تؤاخذني بما سأبثه لك من سريرة نفسي !
أنت لست سوى فتى غرير ساذج ضعيف الذهن، انطوائي الذات...
فيما مضى كنت أتكهن لك بمستقبل زاهر تربت فيه على كتفك الأيام بيدها البيضاء الناعمة، و تحفل بك السماء فتجعلك بين نجومها التي لا تواريها الغيوم ولا تذهب طلاءها القطرات الثجاجة؛ أما اليوم وأنت بين الشموع كالدجالين و المشعوذين تردد السخافة و تلحن البلاهة و البلادة بصوت تغلب عليه الفأفأة و التأتأة فقد تبرأت منك.
إذ لا يكاد يسمعك السامع و لا يراك الرائي حتى يخيل إليه أن لبك قدم طعاما لبعوضة من سلالة بعوضة قارون 
- كلامها غار فيّ فلامس القليب الذي باركته آلهة القَرَس، قطبت حاجبي و قلت بنبرة حادة :
- ويحك يا امرأة! !
ما بك تذهبين في الاستخفاف و الزراية بي كل مذهب ؟
فردت قائلة :
- حقا أرثى لك أيها الغلام، وان كنت أنا نفسك التي ما أرضاها أبدا أن تكون نفسي..
إن أردت النأي عن الفسولة الأدبية و الكلمات المبتذلة الجوفاء،
فاتخذ لنفسك مكانا قصيا،
و اختر أدبا شرقيا،
ما كنت به و لا بغيره شقيا،
و اصطف لنفسك العلو و الرقي،
إن القاع مزدحم،
فكن أديبا حصيفا رصيفا، 
للأدب و لقريحتك معطاء تقيا...
ارفض جبيني عرقا حياء و خجلا مما قالته هذه الفتاة الحسناء ذات السحنة البريئة الغراء، أجبت بنبرة المعتذر الندمان :
- بحق الآلهة من أنت؟
قالت :
- أنا انت و انت انا..
انا نفسك التي سلاك الدهر عنها، فصرفت نظرك عني غير آبه بي و بما يعالجه جأشي من ألم ممض التاثت عليه المآسي و الأرزاء، فقاسيت في بعدك الهم و الكمد.
قلت :
انا آسف عزيزتي،
أقسم بنفسي التي هي أنت ألا أكررها، اقتربت منها خطوة خطوة، لا أزيغ نظري عنها ولو لوهلة؛ عمدت إلى شفتيها الزهريتين الدافئتين فلثمتهما لثمة العاشق المستهيم حبا و وجدا بحبيبته، لكن سرعان ما تحولتا إلى جماد جامد، و كأنما أصيبت بالبرداء أو القر.
فتحت عيني و ما وجدتني إلا أقبل المرآة التي تعكس وجهي !
التفت يمنة و يسرة لكن لا أثر لضالتي، يا إلهي و هل حقا سكنتني شياطين الأدب و عفاريت السرد ؟ ؟
لربما هو هذيان و اضطراب نفسي، قررت العودة للسرير، لكن ما راعني ثانية هو كتابة على مرآة مفادها "اتخذ لنفسك مكانا قصيا... "